الشريعة والحياة – البدعة ومجالاتها المعاصرة – أ.د / وهبة الزحيلي


الشيخ سارية الرفاعي

قال الشيخ سارية الرفاعي في ذكرياته:

الشيخ مصطفى الزَّرْقا
في ثمانينيات القرن الماضي حيث كنتُ مقيماً في المدينة المنوَّرة جاء الشيخ مصطفى الزرقا زائراً، فذهبتُ إليه، وزُرتُه في الفندق راغباً بدعوته إلى بيتي؛ لأتشرَّف به وبالسادة العلماء.
غيرَ أنِّي أعلم صِدامَه مع كثيرٍ مِن العلماء الذين يخالفهم بالرأي في كثيرٍ مِن المسائل، فأحببتُ أنْ أُصارِحَه بأنَّ الدعوةَ هي لكَ، فإنْ شئتَ دعوةَ المشايخ السوريين المقيمين في المدينة؛ فالأمرُ يعود إليكَ، فرحَّب كثيراً باللقاء معهم.
فدعوتُهم، وكانوا أكثر مِن ثلاثين عالِماً، أذكر منهم:
الشيخ محمد نمر الخطيب، والشيخ محمد علي المراد، والشيخ محمد عوض، والشيخ مصطفى المراد، والشيخ خليل ملا خاطر، والشيخ أسامة الرفاعي، والشيخ أبو الفتح البَيانوني، وغيرُهم ممَّن ضعُفتْ ذاكرتي عن ذكْرِهم.
وقد اعتاد مشايخُنا التقليديون على ما ورِثوه عن مشايخهم مِن فقهٍ استنبطه السابقون، وتوقَّف عندهم الاجتهاد.
بدأتِ الجلسةُ قبل الطعام بالمُجاملات كالعادة، وبعد الطعام تحوَّلت الجلسةُ إلى جلسة صُراخٍ وتصادُمٍ في الآراء والأفكار، فكان الجميع في صفٍّ والشيخ الزرقا وحْدَه في صفٍّ آخَرَ، وفريقٌ ثالثٌ التزم الحيادَ، وخاصَّةً لما طُرِح موضوع التأمين، إذ كان الشيخ مصطفى الزرقا يُجيزه على إطلاقه، خلافاً للآخَرين، فلا يُجيزونه إلا في حال الإكراه مِن الدولة.
ذكرتُ وأنا أشهد هذا الحوارَ والنِّقاشَ كلامَ الدكتور مصطفى السباعي وجوابَه عن الخلاف بين الشيخ الزرقا وبين الشيخ محمد أبو زهرة، فقال: «كان أبو زهرة يملك مكتبةً فقهيَّةً، وكان الزرقا يملك ملَكةً فقهيَّةً، وشتَّانَ بينهما».
لقد كان الشيخُ في حواره يركِّز على مقاصد الشريعة فيما لم يرِدْ فيه نصٌّ، وكان يُخاطبُ العلماء على أنهم لا يتجرَّؤون على الاجتهاد الذي كان في سلفنا، ويقول: «إنَّ هذا الجمودَ خلَقَ لنا مشاكلَ فيما يَستجِدُّ مِن قضايا لم نجد لها حلولاً، وفي حال غيابها فستحِلُّ مَحلَّها حلولٌ أخرى».
لذلك كان يركِّز على مقاصد الشريعة -كما ذكرتُ- وعلى المبادئ الكُلِّيَّة؛ ولذا فإنَّ علماءَ عصرِه في العالَم الإسلامي يعتبرونه مُجدِّداً للفقه الإسلامي في العصر الحديث.

قلتُ: لقد احتدم النقاش بين الشيخ وحْدَه وباقي العلماء، كلٌّ يُدلي بدَلْوه، والشيخُ كالجبل الراسخ يُعطي كلَّ واحدٍ منهم الجوابَ مع البَسْمةِ التي تدُلُّ على رسوخه في العلم؛ تأصيلاً للمسألة بالرجوع إلى النُّصوص وأقوال العلماء في مختلف المذاهب، وتركيزاً في المُستجِدَّات على مبادئ الشريعة الكُلِّيَّة ومقاصدِها، ومؤكِّداً على الاجتهاد الجماعي في المجامع الفقهية التي سعى في تأسيس بعضِها، والحثِّ على إنشاء أمثالها في العالَم الإسلامي.
سارية

وانتهَتِ الجلسةُ مُعتذِراً له عن تعبه وجهده الذي بذله في إقناع أكثر مِن ثلاثين عالماً؛ مؤكِّداً على ثوابته، وداعياً إلى تجديد الاجتهاد لتجدُّد مسائلَ لم تكن أيَّامَ سلَفِنا، وأنَّ إسلامنا وديننا رحبٌ لا تضيق مصادرُه التشريعية وقواعدُه الفقهية عن إيجاد الحلول لها والمُستجِدَّات في عصرنا.
رحِم الله الشيخَ، ورحِم الله شيوخَنا جميعاً، فلكلٍّ رأيُه وإنِ اختلفت الآراءُ، ولكن الذي يجمعُهم إنما هو حرصُهم على الثوابت والمبادئ، والوصولُ بالأمَّة إلى سلامة الأحكام، فإنَّهم الموقِّعون عن رب العالمين، وهُم المؤتمَنون على شرعه القويم.